أشاد الرئيس عبد المجيد تبون، الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بما وصفه بالتقدم المهم الذي أحرزته الجزائر في مجال الاستثمار بعد مراجعة الإطار القانوني. وربط الرئيس بين نمو الناتج الداخلي الخام خارج المحروقات والجهود الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتقليل اعتماده على النفط والغاز.

لا يمكن إنكار أن الجزائر عدّلت خلال السنوات الأخيرة جزءاً مهماً من تشريعاتها الاقتصادية، وأنشأت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، وأطلقت منصة رقمية، وأعادت تنظيم الشبابيك الموحدة، وخففت بعض القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي. كما لا يمكن تجاهل نمو بعض الأنشطة خارج قطاع المحروقات.

لكن السؤال الحقيقي ليس عدد القوانين التي عُدّلت، ولا عدد المشاريع التي سُجلت، بل عدد المؤسسات التي تجاوزت الحواجز الإدارية، وحصلت على العقار والرخص والتمويل، واقتنت معداتها، وبدأت الإنتاج، وخلقت مناصب عمل حقيقية.

من هذه الزاوية، تبدو الصورة أقل وضوحاً بكثير من الخطاب الرسمي.

المشروع المسجل ليس مصنعاً منتجاً

تعتمد السلطات عند الحديث عن نجاح سياسة الاستثمار على أعداد المشاريع المسجلة وقيمتها المصرح بها وعدد الوظائف المتوقع أن توفرها. غير أن تسجيل مشروع لدى الوكالة لا يعني أنه أصبح استثماراً قائماً على الأرض.

بين التسجيل والإنتاج سلسلة طويلة من المراحل: الحصول على العقار الاقتصادي، ورخصة البناء، والموافقة البيئية، ورخصة الاستغلال، والتمويل البنكي، وإدخال المعدات، وربط المنشأة بالكهرباء والغاز والمياه، ثم الحصول على الموافقات الخاصة بالنشاط عند الحاجة.

قد يحمل صاحب المشروع شهادة تسجيل، ويظل مع ذلك أشهراً أو سنوات ينتظر قراراً من إدارة أخرى. وقد تظهر قيمة المشروع ومناصب العمل المتوقعة في الإحصاءات الرسمية، بينما لا توجد في الواقع مؤسسة تنتج أو عمال يتقاضون أجوراً.

والمشكلة أن الدولة نفسها لا تبدو حتى الآن مالكةً لصورة ميدانية مكتملة عن مصير جميع المشاريع المسجلة.

ففي السادس من أكتوبر 2026، أي قبل ثمانية أيام فقط من خطاب الرئيس، أعلنت الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار شروعها في إعداد منهجية موحدة للمتابعة الميدانية، تسمح بالتمييز بين المشاريع التي دخلت مرحلة الاستغلال، وتلك التي ما زالت قيد الإنجاز، والمشاريع المتوقفة، والمشاريع التي لم تبدأ نشاطها أصلاً.

وأقرت الوكالة بأن هذه العملية تهدف إلى الانتقال من متابعة تعتمد أساساً على البيانات التصريحية إلى متابعة ميدانية تعكس بصورة أدق حجم الاستثمارات المنجزة ونسب تقدمها والوظائف التي خلقتها فعلياً.

هذا الاعتراف بالغ الأهمية. فإذا كانت قاعدة البيانات لا تزال في طور الانتقال من التصريحات إلى التحقق الميداني، فلا يمكن اعتبار العدد الإجمالي للمشاريع المسجلة دليلاً كافياً على نجاح سياسة الاستثمار.

ينبغي أن تنشر الوكالة، بصورة دورية ومفصلة، عدد المشاريع العاملة فعلياً، وعدد المشاريع المتوقفة، ومتوسط المدة الفاصلة بين التسجيل وبداية الإنتاج، والوظائف الحقيقية التي أُنشئت، لا الوظائف التي وُعد بها عند إيداع الملفات.

إصلاح يحتاج دائماً إلى إصلاح آخر

صدر قانون الاستثمار رقم 22-18 في يوليو 2022، وأُنشئت بموجبه الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار وشبابيك موحدة للمشاريع الكبرى والاستثمارات الأجنبية وأخرى لامركزية على المستوى المحلي. وكان الهدف جمع ممثلي الإدارات المعنية في مكان واحد، وتسهيل حصول المستثمر على القرارات والرخص والوثائق اللازمة.

وفي سنة 2023، صدر قانون جديد يتعلق بالعقار الاقتصادي التابع للأملاك الخاصة للدولة والموجه لإنجاز المشاريع الاستثمارية. ثم جاء في أبريل 2026 مرسوم جديد لإعادة تنظيم الوكالة، ترافق مع تعديلات تخص العقار ورخص البناء والدراسات البيئية والمؤسسات المصنفة ورخص الاستغلال.

غير أن الوكالة لم تعلن إلا في يوليو 2026 بدء استقبال طلبات الحصول، عبر الشباك الموحد، على رخص البناء وشهادات المطابقة وبعض رخص الاستغلال وتصاريح العمل والإجراءات المتعلقة بإنشاء الشركات.

ويعني ذلك أن جزءاً أساسياً من الآلية التي وعد بها قانون 2022 احتاج إلى قرابة أربع سنوات حتى يبدأ العمل به بصورة أكثر تكاملاً.

هنا تظهر إحدى خصائص الإدارة الاقتصادية الجزائرية: عندما تكتشف الدولة أن الإجراءات معقدة، فإنها لا تلغي بالضرورة مصادر التعقيد، بل تنشئ قانوناً وهيئة ومنصة وشباكاً ولجنةً جديدة لتسيير الإجراءات القديمة.

يصبح الإصلاح نفسه مساراً إدارياً إضافياً. يصدر القانون، ثم تنتظر مراسيمه التنفيذية، ثم تعاد هيكلة المؤسسة المكلفة بتطبيقه، ثم تصدر قرارات تفويض الصلاحيات، ثم يحتاج ممثلو الإدارات إلى تحديد اختصاصاتهم داخل الشباك الجديد.

وبين كل مرحلة وأخرى يبقى المستثمر في حالة انتظار.

رقمنة الواجهة لا تعني تحرير الاستثمار

توفر المنصة الرقمية للمستثمر خدمات مفيدة، من بينها تسجيل المشاريع ومتابعة الملفات والاطلاع على العقار المتاح وتقليل بعض التنقلات إلى مقرات الإدارات. وهذه خطوات ضرورية ينبغي الاعتراف بأهميتها.

لكن وضع الاستمارة على الإنترنت لا يلغي السلطة الإدارية الكامنة خلفها. فالرقمنة قد تسمح بإرسال الملف إلكترونياً، لكنها لا تضمن اتخاذ القرار سريعاً، ولا تمنع الإدارة من طلب وثائق إضافية، ولا توحّد بالضرورة تفسير القانون بين ولاية وأخرى.

حتى إنشاء مؤسسة تجارية عبر بوابة المركز الوطني للسجل التجاري لا يعني أن صاحبها يستطيع بدء النشاط فوراً. فقد يبقى مطالباً بإثبات وجود محل ملائم، واستكمال إجراءات جبائية، والحصول على رخصة أو اعتماد إذا كان نشاطه منظماً.

وهكذا يصبح بإمكان الإدارة القول إن الإجراء رقمي، بينما يظل المستثمر خاضعاً لسلسلة من القرارات المنفصلة المتعلقة بالعقار والبناء والبيئة والاستغلال.

الرقمنة الحقيقية لا تعني تحويل الطابور الموجود أمام الشباك إلى طابور إلكتروني. إنها تعني توحيد البيانات بين الإدارات، ومنعها من طلب وثيقة سبق أن أصدرتها إدارة أخرى، وتحديد آجال ملزمة لاتخاذ القرار، وتمكين المستثمر من معرفة الجهة التي أوقفت ملفه وسبب التأخير.

اقتصاد السوق بقواعد إدارية

تبنت الجزائر في سبعينيات القرن الماضي نموذجاً اقتصادياً تقوده الدولة، يقوم على التخطيط المركزي والمؤسسات العمومية والصناعة الممولة من عائدات المحروقات. ومنذ نهاية الثمانينيات، بدأت البلاد مراحل متعاقبة من الإصلاح والانفتاح، وتوسعت الملكية الخاصة، وتغيرت قوانين الاستثمار، وخُففت القيود المفروضة على الاستثمار الأجنبي في عدد من القطاعات.

لكن هذا الانتقال لم يؤد إلى تفكيك المنطق الإداري الذي يحكم النشاط الاقتصادي. فقد اتسعت مساحة القطاع الخاص، بينما احتفظت الإدارة بسلطة حاسمة على الموارد والتراخيص التي يحتاج إليها المستثمر.

ما زالت الدولة تتحكم في موارد أساسية، في مقدمتها العقار الاقتصادي والتمويل عبر البنوك العمومية والتراخيص القطاعية والاستيراد والصفقات العمومية. ولذلك لا تكفي حرية إنشاء الشركة إذا ظلت قدرتها على العمل مرتبطة بعد ذلك بسلسلة من الموافقات.

إنه نظام هجين يعترف بالملكية الخاصة والمبادرة الفردية، لكنه يضع الإدارة في مركز القرار الاقتصادي. لم تعد الإدارة تحدد بصورة مباشرة كل ما يجب إنتاجه كما كان يحدث في الاقتصاد المخطط، لكنها تستطيع أن تقرر من يحصل على الأرض، ومن يستورد المعدات، ومن ينال الترخيص، ومن يبقى ملفه في الانتظار.

وهذا هو جوهر الاقتصاد الإداري: وجود قطاع خاص لا يتحرك داخل قواعد عامة ومستقرة فحسب، بل يظل محتاجاً في مراحل أساسية من مشروعه إلى قرار فردي تصدره سلطة إدارية.

النمو خارج المحروقات لا يثبت نجاح الإدارة

قدر صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الجزائري بنحو 3.9 في المئة خلال 2025، ونمو القطاع غير النفطي بنحو 4 في المئة. وهذه مؤشرات إيجابية لا يجوز تجاهلها.

لكن الصندوق أوضح أيضاً أن النمو مدفوع بقوة باستراتيجية تقوم على الاستثمار العمومي، ودعا الجزائر إلى تخفيض العوائق التنظيمية وتحسين الحوكمة والشفافية وإقامة منافسة أكثر عدلاً بين المؤسسات العمومية والقطاع الخاص.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة: نمو النشاط خارج المحروقات، ونمو الاستثمار العمومي، وتحسن مناخ الاستثمار الخاص.

قد ترتفع أنشطة البناء والزراعة والخدمات بسبب الإنفاق الحكومي أو الطلب الداخلي، من دون أن يعني ذلك أن المقاول أصبح يحصل على رخصه بسرعة أو أن المؤسسة الخاصة أصبحت تنافس المؤسسة العمومية على قدم المساواة.

ولهذا لا يمكن استخدام الناتج الداخلي الخام خارج المحروقات وحده دليلاً على نجاح إصلاح الإجراءات الإدارية. المقياس الأنسب هو الزمن والتكلفة واليقين القانوني الذي يواجهه المستثمر منذ إنشاء الشركة حتى دخولها مرحلة الإنتاج.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بقياس مدة الانتظار

لا تحتاج الجزائر إلى قانون جديد في كل مرة تعترف فيها السلطات بوجود عراقيل أمام الاستثمار. لقد أصبح لديها بالفعل قانون للاستثمار ووكالة ومنصة وشبابيك موحدة وهيئة وطنية للطعون.

ما تحتاج إليه هو جعل الإدارة مسؤولة عن النتيجة.

ينبغي تحديد آجال قانونية واضحة لكل إجراء، ونشر نسبة الملفات التي عولجت داخل الأجل، وبيان الإدارة المسؤولة عن كل تأخير. وفي الإجراءات التي لا تتعلق بمخاطر جدية على الصحة أو الأمن أو البيئة، يمكن اعتماد مبدأ الموافقة الضمنية إذا لم تجب الإدارة خلال المدة المحددة.

كما ينبغي إنشاء ملف رقمي موحد لا يُطلب فيه من المستثمر تقديم وثيقة تملكها الدولة أصلاً، وربط السجل التجاري والضرائب والجمارك والضمان الاجتماعي والعقار والبيئة والتعمير ضمن نظام واحد.

والأهم هو نشر لوحة بيانات وطنية، موزعة حسب الولاية والقطاع، تُظهر عدد المشاريع المسجلة، والمشاريع التي حصلت على العقار، والتي بدأت الأشغال، والتي دخلت الإنتاج، والمشاريع المتوقفة، والوظائف التي أُنشئت فعلياً.

عندها فقط يمكن قياس نجاح الإصلاح بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عنه.

لقد غيّرت الجزائر قوانين كثيرة، لكن المستثمر لا يعيش داخل نصوص الجريدة الرسمية. إنه يعيش المدة الفاصلة بين إيداع طلبه والحصول على جواب.

وإذا ظلت هذه المدة تمتد أشهراً أو سنوات، فإن المشكلة لن تكون نقصاً في القوانين، بل إدارةً لا تزال تتعامل مع الاستثمار بوصفه امتيازاً تمنحه، لا حقاً اقتصادياً تمارسه المؤسسة ضمن قواعد واضحة.