الجزائر — صادق مجلس الأمة، الأحد، بالإجماع على التماس رئيس الجمهورية إرسال مفرزة من الجيش الوطني الشعبي إلى النيجر، حيث يُفترض أن تتولى حماية المشاريع الاستثمارية التابعة لشركة سوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج «سيباكس».
يمثل التصويت خطوة حاسمة نحو إقامة وجود بري جزائري خارج الحدود. غير أن المادة 91 من الدستور تشترط موافقة أغلبية ثلثي أعضاء غرفتي البرلمان قبل إرسال وحدات من الجيش إلى الخارج. وكان من المقرر أن ينظر المجلس الشعبي الوطني في الطلب لاحقاً يوم الأحد، لكن نتيجة تصويته لم تكن قد تأكدت بصورة مستقلة عند نشر هذا المقال.
تقدم السلطات للمهمة مبرراً محدداً: حماية مشاريع سوناطراك استجابة لطلب من حكومة النيجر. لكن دلالة القرار تتجاوز أمن عمليات الحفر التابعة لشركة عمومية، إذ يضع جنوداً جزائريين داخل واحدة من أكثر البيئات الأمنية اضطراباً في العالم، ويختبر عقيدة عسكرية تعاملت، طوال عقود، مع العمليات خارج الحدود بوصفها استثناءً شديد الحساسية.
ما المنشآت التي ستتولى المفرزة حمايتها؟
استأنفت سوناطراك نشاطها في النيجر عبر فرعها «سيباكس»، بالتعاون مع الشركة الوطنية للنفط في النيجر «سونيديب» والمؤسسة الجزائرية للحفر «إينافور». ويعد مشروعها الأبرز حالياً مربع كافرا النفطي في منطقة أغاديز، بالقرب من الحدود الجزائرية.
وفي أغسطس الماضي، أطلق الشركاء عمليات حفر البئر الاستكشافية «كافرا جنوب شرق 1». ويكتسب الموقع أهمية استراتيجية لأن اكتشافاً تجارياً قابلاً للاستغلال قد يعمق التعاون الطاقوي بين الجزائر ونيامي، ويوسع حضور سوناطراك الإقليمي، ويخلق منشآت يرتبط أمنها مباشرة بالحدود الجنوبية للجزائر.
لذلك يُقدَّم الانتشار العسكري باعتباره حماية لاستثمار عمومي جزائري. لكن السلطات لم تكشف حتى الآن عدد الجنود، أو طبيعة تجهيزاتهم، أو النطاق الجغرافي الدقيق للمهمة، أو مدتها، أو قواعد الاشتباك التي ستنظم استخدام القوة.
المنشآت النفطية في مرمى الجماعات المسلحة
بات قطاع الطاقة في النيجر أكثر تعرضاً للعنف المسلح. وتنشط في منطقة الساحل جماعات مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، فيما أظهرت الهجمات على طرق النقل والأنابيب والمنشآت الصناعية المعزولة أن البنية التحتية للطاقة يمكن أن تصبح هدفاً اقتصادياً ووسيلة للضغط على السلطات في الوقت نفسه.
ولا تشبه حماية موقع نفطي بعيد حراسة منشأة ثابتة داخل منطقة مستقرة. فقد تتطلب المهمة دوريات متحركة، وجمع معلومات استخباراتية، ومراقبة طرق التموين، وقدرة على التدخل السريع في فضاء صحراوي واسع. ويمكن لمهمة وُصفت في البداية بالدفاعية أن تتسع إذا استهدفت الجماعات المسلحة العمال أو القوافل أو الوحدات النيجرية القريبة.
من الدعم الجوي إلى وجود بري
يأتي الانتشار البري المرتقب بعد توسع سريع في المساعدة العسكرية الجزائرية للنيجر خلال سنة 2026. فقد قدمت الجزائر مروحيات ودعماً لوجستياً للقوات النيجرية، ثم أرسلت طائرات مقاتلة وطواقم دعم إلى نيامي في أغسطس بطلب من السلطات النيجرية عقب تمرد عسكري استهدف مواقع حساسة.
أظهرت تلك العمليات أن الجزائر باتت مستعدة لاستخدام قدراتها العسكرية خارج أراضيها عندما تعتبر أن اضطراب النيجر يهدد الأمن المشترك. غير أن تمركز مفرزة على الأرض ينشئ وجوداً أطول أمداً ومستوى مختلفاً من التعرض للمخاطر. وقد يجد الجنود الجزائريون أنفسهم يعملون إلى جانب قوات النيجر وفي بيئة يوجد فيها أيضاً عناصر روس وتنظيمات مسلحة متنافسة.
تحول تاريخي لا أول انتشار منذ الاستقلال
ليس دقيقاً وصف المهمة بأنها أول انتشار عسكري جزائري خارج البلاد منذ الاستقلال. فقد شاركت وحدات جزائرية إلى جانب الجيوش العربية في حربي 1967 و1973. والأدق أن مهمة النيجر ستكون أول انتشار بري في إفريقيا جنوب الصحراء يجري تفعيله عبر الآلية الدستورية الجديدة، وأهم وجود عسكري جزائري مستمر خارج البلاد منذ عقود.
قامت العقيدة الجزائرية التقليدية على احترام السيادة وعدم التدخل وتفضيل الوساطة السياسية. وقد تشكل هذا الموقف بفعل التاريخ المناهض للاستعمار وبسبب الاعتقاد أن التدخلات العسكرية الأجنبية كثيراً ما تعقد النزاعات بدلاً من حلها. لكن تعديل الدستور سنة 2020 فتح مساراً قانونياً لإرسال وحدات الجيش إلى الخارج بعد موافقة البرلمان، ويعد تصويت الأحد أوضح محاولة حتى الآن لتفعيل هذا المسار في مهمة برية.
دور قيادة الجيش بقيادة السعيد شنقريحة
تبلور الجانب العملياتي من هذا التوجه تحت قيادة رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، الفريق أول السعيد شنقريحة. وقبل أيام من التصويت البرلماني، وقع شنقريحة ووزير الدفاع النيجري الفريق أول ساليفو مودي بروتوكول تعاون عسكري في الجزائر يشمل أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والتدريب والتنسيق العملياتي.
يندرج الانتشار بذلك ضمن استراتيجية أوسع تسعى إلى إنشاء ما تعتبره القيادة الجزائرية عمقاً أمنياً جنوب الحدود، وتعزيز قدرات جيش النيجر، ومنع الجماعات المسلحة وشبكات التهريب من بناء مناطق نفوذ يمكن استخدامها لتهديد الجزائر.
لهذا المنطق أسباب مفهومة. فالجزائر تشترك مع النيجر في حدود تقارب 950 كيلومتراً، ويؤثر اضطراب الساحل بالفعل في مسارات الهجرة والتهريب وانتقال السلاح وخطر تسلل المسلحين. لكن البحث عن عمق استراتيجي قد يتحول إلى تورط استراتيجي إذا لم تحدد أهداف المهمة وحدودها الجغرافية وشروط انتهائها بدقة.
مصالح تتجاوز الحماية المباشرة
تشكل مشاريع سوناطراك المبرر المباشر المعروض على البرلمان، لكن للجزائر مصالح أوسع في النيجر. ومن بينها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء لنقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، إضافة إلى شبكات الكهرباء والنقل والممرات التجارية ومساعي استعادة النفوذ الجزائري في منطقة الساحل.
وفي وقت تدهورت فيه علاقات الجزائر مع مالي، أصبحت النيجر شريكاً أمنياً واقتصادياً أكثر أهمية. ومن خلال مساعدة نيامي على حماية منشآتها الاستراتيجية، تستطيع الجزائر تعزيز هذه الشراكة وإظهار قدرتها على توفير دعم كان مرتبطاً في السابق بالقوى الأجنبية.
لكن هنا يبدأ الخطر السياسي أيضاً. فقد دخلت فرنسا منطقة الساحل بقدرات عسكرية واستخباراتية ولوجستية كبيرة، ثم انسحبت بعد سنوات من الحرب وتصاعد الرفض الشعبي لوجودها. تختلف جغرافية الجزائر وتاريخها وشرعيتها الإقليمية عن فرنسا، لكن هذه المزايا لا تلغي صعوبة مواجهة شبكات مسلحة متحركة عبر التزامات عسكرية مفتوحة زمنياً.
حماية استراتيجية أم بداية تورط طويل؟
قد يكون لمهمة محدودة، طلبتها حكومة النيجر واقتصرت على منشآت معروفة تابعة لسوناطراك، مبررها في حماية الأصول الوطنية وأمن الحدود. غير أن شرعيتها واستمرار قبولها سيتوقفان على وجود حدود صارمة ورقابة عمومية واضحة.
ينبغي للسلطات والبرلمان الكشف، من دون نشر معلومات عملياتية حساسة، عن الأساس القانوني للمهمة ومدتها التقريبية وتسلسل القيادة وقواعد الاشتباك وإجراءات تمديدها أو إنهائها. كما يجب توضيح ما إذا كانت المفرزة ستكتفي بالدفاع عن مواقع ثابتة أم يمكن أن تشارك في عمليات أوسع لمكافحة الإرهاب.
هذا التمييز جوهري. فحراسة موقع للحفر مهمة، وملاحقة الجماعات المسلحة عبر شمال النيجر مهمة أخرى تماماً. وإذا اختلط الحد الفاصل بينهما، فقد تجد الجزائر نفسها داخل نزاع يصعب تقدير تكلفته ومدته وتداعياته السياسية.
قرار عسكري يحتاج إلى مساءلة عمومية
يمنح تصويت مجلس الأمة بالإجماع القرار دعماً مؤسساتياً قوياً، لكن الإجماع لا يغني عن الرقابة. فإرسال الجنود إلى الخارج من أخطر القرارات التي تتخذها الدولة؛ لأنه يعرض العسكريين لاحتمال القتال، وينشئ التزامات تجاه دولة أخرى، ويمكن أن يعيد تدريجياً ترتيب أولويات الدفاع الوطني.
للجزائر أسباب مشروعة للقلق على استقرار النيجر وسلامة استثماراتها. ولها أيضاً أسباب مشروعة لتجنب وراثة حرب مفتوحة في الساحل. ولن يقاس نجاح المهمة فقط ببقاء عدد من المنشآت النفطية آمناً، بل بقدرة الدولة على إبقاء العملية محدودة وشفافة وخاضعة لمصلحة وطنية محددة بوضوح.

نقاش القراء
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة حتى الآن.