حسم الديمقراطيون السيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات منتصف الولاية، محققين انتصاراً واسعاً يغيّر ميزان السلطة في واشنطن خلال العامين الأخيرين من رئاسة دونالد ترامب. وتُظهر حصيلة النتائج المتاحة حتى ظهر الأربعاء 4 نوفمبر 54 مقعداً ديمقراطياً مقابل 44 جمهورياً في مجلس الشيوخ، و228 مقابل 139 في مجلس النواب، مع استمرار فرز أصوات في دوائر لم تُحسم بعد.
تجاوزت النتيجة خسارة الجمهوريين أغلبية مجلس واحد. فقد انتزع الديمقراطيون سبعة مقاعد في مجلس الشيوخ، بينها ولايات جمهورية أو متأرجحة مثل كانساس وآيوا وتكساس وأوهايو ومين وكارولاينا الشمالية والجنوبية. وفي مجلس النواب، تخطوا عتبة الأغلبية البالغة 218 مقعداً، فيما أظهرت الحصيلة المتاحة مكاسب في أكثر من عشرين دائرة جمهورية، بينها مناطق صوّتت لترامب بفوارق كبيرة في انتخابات 2024.
تعني هذه الأرقام أن الحزب الديمقراطي سيقود المجلسين عندما يبدأ الكونغرس الجديد عمله في يناير 2027. لكنها لا تمثل بعد حصيلة نهائية معتمدة لكل الأصوات؛ فما زالت بعض السباقات قيد الفرز، وقد يتغير حجم الأغلبية مع إعلان النتائج الرسمية.
يكتسب اختراق ولايات جمهورية دلالة تتجاوز عدد المقاعد. فكانساس، التي لم تنتخب عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ منذ ما يقارب قرناً، شهدت واحدة من أبرز المفاجآت. وفي ولايات مثل آيوا وتكساس، لم يقتصر التحول على السباق الوطني؛ بل فاز الديمقراطيون أيضاً بمقاعد محلية ودوائر في مجلس النواب. وتشير هذه الخريطة إلى أن الرسالة وصلت إلى ناخبين خارج القواعد التقليدية للحزب، وإن كانت انتخابات واحدة لا تكفي وحدها لإثبات انتقال دائم في ولاء تلك الولايات.
كان الاقتصاد العامل الأكثر مباشرة في معاقبة الجمهوريين. فالأسعار وكلفة الغذاء والطاقة والسكن ظلت مصدر ضغط للأسر، رغم وعود ترامب بخفض تكاليف المعيشة. وأظهر استطلاع الناخبين الذي أجرته أسوشيتد برس وشركاؤها أن نحو ثلثي المشاركين رأوا أن سياسات الرئيس جعلت الاقتصاد أسوأ؛ وصوّت نحو ثمانية من كل عشرة في هذه المجموعة للمرشح الديمقراطي في سباقات مجلس النواب.
إلى جانب الاقتصاد، عبّر الناخبون عن قلق من الفساد وتركيز السلطة في البيت الأبيض. وقال نحو سبعة من كل عشرة إن الكونغرس لم يفعل ما يكفي لممارسة الرقابة على الرئيس. كما أثرت الحرب مع إيران في المزاج الانتخابي، خصوصاً مع ارتباط الصراع بكلفة الطاقة والإنفاق العسكري. وهكذا اجتمعت في صندوق الاقتراع ملفات داخلية وخارجية، لكنها التقت عند سؤال واحد: هل ترى الأسر أن الإدارة جعلت حياتها أكثر استقراراً؟
ولا تعني الهزيمة أن الناخبين منحوا الديمقراطيين تفويضاً مفتوحاً. فقد أظهر الاستطلاع نفسه أن شعبية الحزب بقيت محدودة، وأن عدداً من الذين صوتوا لمرشحيه لا يثقون بالحزب ككل. وتشير النتيجة، في جانب مهم منها، إلى رغبة في كبح إدارة ترامب وتغيير المسار، أكثر مما تشير إلى تأييد غير مشروط لبرنامج ديمقراطي كامل.
وتشير بيانات استطلاع الناخبين إلى تراجع دعم الجمهوريين بين بعض الفئات التي وسّع ترامب حضور الحزب لديها في انتخابات 2024. فالناخبون دون الثلاثين كانوا أقل ميلاً إلى تأييد مرشحي الجمهوريين للنواب مقارنة بتأييدهم ترامب قبل عامين، كما تراجع دعم الناخبين من أصول لاتينية. لا يعني ذلك أن هذه المجموعات أصبحت كتلة ديمقراطية ثابتة، لكنه يكشف أن التحالف الانتخابي الذي قاد ترامب إلى البيت الأبيض لم ينتقل آلياً إلى مرشحي حزبه في انتخابات منتصف الولاية.
وتضع النتيجة الحزب الديمقراطي أمام تحدي إدارة ائتلاف واسع يضم وسطيين وتقدميين، فيما تتباين أولويات أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب. فالفوز يمنح الحزب مسؤولية تحديد أولويات الرقابة والميزانية، لكنه قد يكشف خلافاته الداخلية عندما ينتقل من معارضة الرئيس إلى اختيار ما يريد تمريره فعلاً. وإذا بدت أجندته محصورة في التحقيقات، فقد يخسر ثقة الناخبين الذين صوّتوا أساساً بسبب الاقتصاد وكلفة المعيشة.
تمنح السيطرة على مجلس النواب الديمقراطيين رئاسة اللجان وجدول أعمالها، وتتيح لهم طلب الوثائق واستدعاء المسؤولين وإجراء تحقيقات في قرارات الإدارة. أما الأغلبية في مجلس الشيوخ فتوسع قدرتهم على التأثير في التعيينات التي تحتاج إلى مصادقة المجلس، وعلى فحص خيارات البيت الأبيض في الموازنة والسياسة الخارجية.
لكن الكونغرس ليس حكومة بديلة عن الرئيس. فالتشريعات تحتاج إلى موافقة المجلسين وتوقيع ترامب، ويمكنه استخدام حق النقض. ولا يستطيع الديمقراطيون تجاوز هذا النقض إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين، وهي عتبة يصعب بلوغها. لذلك يرجح أن يظهر أثر الفوز أولاً في الرقابة والتحقيقات والمساومة على الإنفاق، لا في إلغاء السياسات الرئاسية تلقائياً.
وينطبق ذلك على الحرب مع إيران. يستطيع الكونغرس مناقشة الاعتمادات العسكرية، وفرض شروط على بعض أوجه الإنفاق، ومطالبة الإدارة بتوضيح أهداف العمليات ومدتها. لكن فوز الديمقراطيين لا يوقف الحرب فوراً؛ فالرئيس يظل القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأي تغيير في مسار العمليات سيتطلب مواجهة سياسية وقانونية بين البيت الأبيض والكونغرس.
وامتدت المكاسب إلى سباقات حكام الولايات ومجالسها التشريعية، ما يضيف إلى الفوز الفيدرالي تأثيراً محلياً في عدد من الولايات. غير أن اتساع الخريطة لا يكفي وحده لإثبات تحول دائم في ولاءات الناخبين. فقد كان التصويت أيضاً استفتاءً على إدارة قائمة، ويمكن أن تتبدل أولويات المقترعين قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة.
ولا تنتقل السلطة البرلمانية فور إعلان النتائج. فالكونغرس الجديد يبدأ ولايته في 3 يناير 2027، فيما يظل المجلس الحالي قائماً خلال الفترة الانتقالية. يمنح ذلك الإدارة والرئيس وقتاً للتعامل مع الكونغرس المنتهية ولايته، لكن نتائج الاقتراع ستؤثر منذ الآن في حسابات المشرعين والجمهوريين الذين يستعدون لمواجهة أغلبية معارضة. وبعد تنصيب المجلسين، ستتضح طبيعة التحول من خلال رؤساء اللجان وخطط التحقيقات ومفاوضات الإنفاق، لا من خلال عدد المقاعد وحده.
بالنسبة إلى ترامب، تفرض النتائج عليه التعامل مع كونغرس تقوده المعارضة في المرحلة الأخيرة من ولايته. أما الديمقراطيون، فيواجهون اختباراً عملياً: هل سيستخدمون أغلبيتهم لمعالجة المخاوف التي دفعت الناخبين إلى معاقبة الجمهوريين، أم سيكتفون بتحويلها إلى مواجهة حزبية؟ لقد منحهم الناخبون سلطة رقابية واسعة، لكن نجاحهم سيتوقف على قدرتهم على ترجمة هذه السلطة إلى نتائج ملموسة، مع بقاء الرئيس وحق النقض في موقعهما.

نقاش القراء
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة حتى الآن.