في خطابه يوم 14 أكتوبر 2026 أمام المتعاملين الاقتصاديين في الجزائر العاصمة، أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون وجود إرادة سياسية ثابتة وحازمة لتحريك الاقتصاد والاستثمار. وأشاد بتقدم الإطار القانوني وبمؤشرات الناتج الداخلي الخام خارج المحروقات، كما تحدث عن انتقال نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وتنافسية بحلول 2027 من دون أضرار اجتماعية.

غير أن تقييم هذه الوعود لا يمكن أن يتوقف عند الخطاب أو عدد النصوص القانونية. فالمعيار الحقيقي هو ما يواجهه المستثمر منذ تسجيل مشروعه إلى أن يحصل على العقار والتراخيص والتمويل، ويستورد تجهيزاته، ويبدأ الإنتاج. وهنا تكشف التقارير الدولية والبيانات الرسمية استمرار فجوة واضحة بين الإصلاح المعلن والواقع الإداري.

ما يوثقه تقرير وزارة الخارجية الأمريكية

تقرير مناخ الاستثمار الخاص بالجزائر الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية سنة 2023 ــ وهو التقرير الذي أمكن التحقق منه في أرشيف الوزارة، وليس تقريراً لسنة 2026 ــ وصف عوائق بنيوية ما زالت ذات صلة بالنقاش الحالي. وأشار إلى إجراءات معقدة في الاستيراد والجمارك، وبيروقراطية ثقيلة، وصعوبات في تحويل الأرباح والأموال إلى الخارج.

بحسب التقرير، قد تمر عملية التحويل أو الترحيل بنحو ثلاثين خطوة إدارية، وقد تستغرق من ثلاثة إلى ستة أشهر بدلاً من المدة النظرية الأقصر. كما يمكن أن يؤدي خطأ في إحدى المراحل إلى تعطيل الملف كله. ولا تثبت هذه المعطيات وحدها أن كل شركة تواجه التجربة نفسها، لكنها توضح حجم الاحتكاك الإداري الذي يمكن أن يتعرض له المستثمر.

ويشير التقرير أيضاً إلى أن تغير القواعد والإجراءات، والقيود المرتبطة بالاستيراد، وصعوبة الحصول على بعض المدخلات، كلها عوامل تزيد المخاطر والتكاليف. كما أن الخوف من المساءلة بعد حملات مكافحة الفساد دفع بعض المسؤولين إلى تجنب اتخاذ القرار، وهو ما يضيف بطئاً جديداً إلى مسارات هي أصلاً معقدة.

أمثلة موثقة على عدم اليقين

في تقرير نشرته مجلة Global Finance سنة 2025، وصف مستثمر أجنبي دعم مشاريع بملايين الدولارات في الجزائر لأكثر من عشر سنوات مناخ الأعمال بأنه غير متوقع، قائلاً إن المستثمر قد ينام على قانون ويستيقظ على قانون مختلف. وأوضح أن حظر استيراد مادة أولية أو قطعة غيار بصورة مفاجئة قد يجعل الإنتاج المحلي متعذراً حتى بعد إقامة المصنع.

ولا يتعلق الأمر بشكاوى أجنبية فقط. ففي 2022 أعلنت الحكومة أن العراقيل رُفعت عن 861 مشروعاً من أصل 915 مشروعاً كان يجري تتبعها. وجود هذا العدد من المشاريع العالقة دفع السلطة نفسها إلى إنشاء آلية خاصة لرفع العراقيل، وهو إقرار بأن المشكلة كانت مؤثرة في الاستثمار والتشغيل.

وفي 2025 وصف الرئيس الوكالة الوطنية لترقية التجارة الخارجية، ALGEX، بأنها مؤسسة «جوراسية»، قبل حلها واستبدالها بهيئتين جديدتين. كان ذلك اعترافاً رسمياً بأن جهازاً إدارياً يفترض أن ينظم التجارة الخارجية أصبح في حد ذاته جزءاً من المشكلة. لكنه يطرح أيضاً سؤالاً أوسع: كم مرة تحتاج الإدارة إلى إعادة هيكلة قبل أن تصبح القواعد مستقرة وقابلة للتوقع؟

الشباك الوحيد: خطوة مهمة يختبرها التطبيق

في 12 أكتوبر 2026 صدر المرسوم الرئاسي رقم 26-326 المنشئ للشباك الوحيد الوطني للاستثمار. ويجعل المرسوم الشباك المحاور الوحيد والمتكامل والحصري للمستثمرين تحت وصاية الوزير الأول، ويمنحه دوراً واسعاً في معالجة الملفات والتنسيق بين الإدارات.

يفرض النص آجالاً محددة: خمسة عشر يوماً لتسليم معظم الوثائق والتراخيص، وعشرين يوماً لبعض الملفات المرتبطة بالمؤسسات المصنفة، وخمسة وعشرين يوماً لمجلس إدارة الشباك للفصل في الملفات المؤهلة، بما في ذلك التسجيل والمعالجة والتقييم. كما يلزم الإدارات بالقرارات الصادرة عن الشباك، ويمنع إعادة فحص الملفات التي حُسمت، وينص على الرقمنة وتبادل البيانات.

هذه أحكام مهمة إذا طُبقت حرفياً. لكن التجربة الجزائرية تظهر أن جمع ممثلي الإدارات في مكان واحد لا يكفي وحده. فنجاح الشباك يتطلب أن يملك هؤلاء الممثلون صلاحية القرار، وأن تكون الأنظمة الرقمية مترابطة مع الضرائب والجمارك والعقار والبيئة والتعمير، وأن يعرف المستثمر الجهة المسؤولة عندما ينقضي الأجل من دون جواب.

عشرون ألف مشروع مسجل لا تعني عشرين ألف مؤسسة منتجة

أعلن الوزير الأول في مايو 2026 أن الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار سجلت أكثر من عشرين ألف مشروع، بقيمة مصرح بها تتجاوز تسعة آلاف مليار دينار، مع توقع أكثر من 525 ألف منصب عمل. هذه الأرقام تعكس اهتماماً حقيقياً بالاستثمار، لكنها تقيس أساساً نيات ومشاريع مسجلة، لا مصانع ومؤسسات دخلت كلها مرحلة الإنتاج.

وفي مايو 2026 قال المدير العام للوكالة إن أكثر من ثلثي المشاريع المسجلة التي صرّح أصحابها بمستوى تقدمها دخلت مرحلة الاستغلال أو كانت في طور التجسيد. وهذه إشارة إيجابية، لكنها لا تشمل بالضرورة كل المشاريع المسجلة، كما أن الوكالة أعلنت لاحقاً العمل على منهجية موحدة للمتابعة الميدانية والتمييز بدقة بين المشاريع العاملة، وقيد الإنجاز، والمتوقفة، والتي لم تبدأ نشاطها.

لذلك ينبغي أن تنشر الوكالة دورياً أرقاماً مفصلة عن المشاريع التي بدأت الإنتاج فعلياً، ومتوسط المدة بين التسجيل والاستغلال، والوظائف التي أُنشئت على الأرض، لا الوظائف المتوقعة عند إيداع الملف.

الاستثمار الأجنبي: الجزائر تتحسن لكن الفجوة كبيرة

وفق تقرير الاستثمار العالمي لسنة 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الجزائر نحو 1.53 مليار دولار في 2025، بزيادة تقارب 18 في المئة عن السنة السابقة. وفي الفترة نفسها جذبت المغرب نحو 3.3 مليارات دولار، بزيادة تقارب 91 في المئة، بينما بقيت مصر في صدارة أفريقيا بنحو 15.5 مليار دولار.

لا يمكن تفسير هذه الفوارق بالبيروقراطية وحدها؛ فهي تتأثر أيضاً بحجم الصفقات الكبرى، وبنية الاقتصاد، والسياسة النقدية، والأسواق الخارجية، والقطاعات المستهدفة. لكنها تظل مؤشراً على أن الجزائر، رغم حجم سوقها ومواردها، لم تحول بعد كل إمكاناتها إلى جاذبية استثمارية مماثلة.

النمو والبطالة: المؤشرات الإيجابية لا تلغي كلفة التعطيل

قدّر صندوق النقد الدولي نمو الناتج الحقيقي في الجزائر بنحو 3.9 في المئة خلال 2025، وتوقع 3.8 في المئة في 2026. وهي وتيرة نمو مهمة، لكنها ترافقها اختلالات مالية وخارجية كبيرة، فيما يظل تنويع الاقتصاد وجذب الاستثمار الخاص من شروط استدامتها.

وتشير تقديرات منظمة العمل الدولية المنشورة عبر قاعدة بيانات البنك الدولي إلى أن البطالة الإجمالية بلغت نحو 11.6 في المئة في 2025، وأن بطالة الشباب بين 15 و24 عاماً قاربت 29.4 في المئة. وكل مشروع يبقى أشهراً أو سنوات في انتظار عقار أو ترخيص أو تحويل مالي يعني إنتاجاً مؤجلاً وفرص عمل ضائعة.

المشكلة ليست في نقص القوانين

الانتقال المعلن نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً بحلول 2027 يحتاج إلى أكثر من إرادة سياسية معلنة. فقد عدلت الجزائر قانون الاستثمار، وأنشأت وكالة ومنصة رقمية وشبابيك موحدة وهيئة للطعون، ثم أضافت شباكاً وطنياً جديداً بآجال ملزمة. التحدي الآن ليس إصدار نص آخر، بل تنفيذ النصوص القائمة وقياس نتائجها بشفافية.

ينبغي نشر نسبة الملفات التي عولجت داخل الآجال، وتحديد الإدارة المسؤولة عن كل تأخير، وربط قواعد البيانات حتى لا يُطلب من المستثمر تقديم وثيقة تملكها الدولة أصلاً. كما يمكن اعتماد الموافقة الضمنية في الإجراءات التي لا تمس الصحة أو الأمن أو البيئة عندما ينتهي الأجل من دون جواب.

لقد غيّرت الجزائر قوانين كثيرة، لكن المستثمر لا يعيش داخل نصوص الجريدة الرسمية. إنه يعيش المدة الفاصلة بين إيداع طلبه والحصول على قرار. وإذا استمرت هذه المدة أشهراً، فإن الفارق بين الخطاب والواقع سيبقى عائقاً أمام التنويع الاقتصادي وخلق الوظائف، مهما بدت الأرقام المسجلة كبيرة.