في 15 أكتوبر 2026، أصدرت محكمة الدار البيضاء في الجزائر العاصمة حكماً يقضي بسجن الخبير الاقتصادي والأكاديمي جلول سلامة أربع سنوات نافذة، مع غرامة مالية، بحسب ما أوردته تقارير إعلامية وحقوقية.
ارتبطت المتابعة، وفق المصادر المنشورة، بمداخلة تلفزيونية قدمها سلامة في يناير الماضي حول مشروع استغلال منجم غار جبيلات. ناقش خلالها جودة الخام، وكلفة معالجته، وبعد المنجم عن المنشآت الصناعية وموانئ التصدير، إضافة إلى تكاليف النقل والعائد المتوقع من المشروع.
لم يكن سلامة، بحسب ما نُشر عن مداخلته، يدعو إلى التخلي عن المنجم، بل شكك في جدوى تصدير الخام دون تطوير صناعة تحويلية محلية تستفيد منه. ومع ذلك، انتقل النقاش من الاستوديو التلفزيوني إلى التحقيق ثم الحبس المؤقت، وصولاً إلى الحكم بالسجن.
لم يتسنَّ الاطلاع على نسخة كاملة من الحكم وأسبابه، ولذلك يجب التعامل بحذر مع تفاصيل التكييف القانوني المتداولة. لكن خطورة القضية لا تتوقف عند الصياغة الدقيقة للتهمة؛ فهي تتعلق أساساً بالحدود التي يُسمح ضمنها للخبير بمناقشة مشروع اقتصادي استراتيجي.
عندما يتحول الخلاف الاقتصادي إلى قضية جنائية
تقدم السلطات مشروع غار جبيلات باعتباره أحد أعمدة تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على المحروقات. وهو مشروع يتطلب استثمارات ضخمة في الاستخراج والمعالجة والسكك الحديدية والمنشآت الصناعية.
لهذا السبب تحديداً، لا يمكن وضعه خارج دائرة النقاش. كلما ارتفعت كلفة مشروع ممول بصورة مباشرة أو غير مباشرة من المال العام، ازدادت الحاجة إلى تقييم مستقل لافتراضاته ومخاطره وجدواه الاقتصادية.
قد يكون تحليل الخبير صحيحاً أو خاطئاً، وقد تكون الأرقام التي اعتمد عليها ناقصة أو قابلة للنقاش. لكن الرد الطبيعي في هذه الحالة هو نشر دراسات الجدوى، وشرح تكاليف الاستخراج والمعالجة والنقل، وتقديم توقعات العائد، وفتح المجال أمام خبراء آخرين لمناقشتها.
الخطأ العلمي، إن وُجد، يُصحَّح بالبيانات والحجج، وليس بالسجن. كما أن وصف تحليل اقتصادي بأنه «عرقلة للاستثمار» يثير إشكالاً جوهرياً: إذا أصبح التشكيك العلني في جدوى مشروع حكومي فعلاً يمكن أن يؤدي إلى الملاحقة، فمن سيجرؤ مستقبلاً على تقديم تقييم مستقل؟
المادة 196 مكرر: من يحدد «الخبر الكاذب»؟
ترتبط القضية، بحسب التقارير المتاحة، بالمادة 196 مكرر من قانون العقوبات. أُدرجت هذه المادة ضمن تعديلات سنة 2020، وتعاقب النشر المتعمد لأخبار أو معلومات كاذبة أو مغرضة من شأنها المساس بالأمن أو النظام العام.
تكمن المشكلة في اتساع المصطلحات المستخدمة. فالتمييز بين «المعلومة الكاذبة» والتقدير المختلف أو التوقع الاقتصادي غير المتحقق ليس دائماً واضحاً. والتحليل الاقتصادي بطبيعته يقوم على افتراضات ومناهج وتقديرات يمكن أن يختلف بشأنها المتخصصون.
حتى لا يتحول النص إلى وسيلة لمعاقبة الآراء المزعجة، ينبغي أن يقع على جهة الاتهام عبء إثبات عناصر دقيقة: ما المعلومة الكاذبة تحديداً؟ وما الدليل على علم صاحبها بكذبها؟ وما الضرر الحقيقي والمباشر الذي نتج عنها؟ وهل كانت العقوبة ضرورية ومتناسبة؟
تنص المادة في صورتها الأساسية على عقوبات تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، مع إمكانية تشديدها في بعض الحالات. لذلك يجعل الحكم بأربع سنوات نشر التكييف القانوني الكامل وأسباب المحكمة أمراً ضرورياً لفهم القضية، بدلاً من الاكتفاء بعبارات عامة مثل «المساس بالنظام العام» أو «عرقلة الاستثمار».
قضية بلغيث ليست نسخة من قضية سلامة
استُحضرت في النقاش العام قضية المؤرخ والأستاذ الجامعي محمد الأمين بلغيث. ففي مقابلة بثتها قناة سكاي نيوز عربية في الأول من مايو 2025، وصف بلغيث الأمازيغية بأنها مشروع أيديولوجي «فرنسي-صهيوني»، ونفى وجود ثقافة أمازيغية قائمة بذاتها.
أوقف بعد ذلك بيومين، ثم حُكم عليه ابتدائياً في يوليو 2025 بخمس سنوات نافذة. وفي أكتوبر خُففت العقوبة إلى ثلاث سنوات نافذة وسنتين موقوفتين، قبل أن ترفض المحكمة العليا الطعن في ديسمبر. وبعد أيام، صدر عفو رئاسي عن بقية العقوبة.
لكن وضع القضيتين في مستوى واحد سيكون مضللاً. تصريحات بلغيث استهدفت مكوناً أساسياً من الهوية الوطنية ولغة رسمية معترفاً بها دستورياً، وأثارت شعوراً مشروعاً بالإهانة لدى كثير من الجزائريين. أما قضية سلامة فتتعلق، وفق المعطيات المنشورة، بتحليل فني واقتصادي لمشروع عام.
هذا الاختلاف لا يلغي السؤال المتعلق بالتناسب في قضية بلغيث. فرفض تصريحاته والرد عليها علمياً وتاريخياً لا يفرضان بالضرورة سجنه لسنوات. حرية التعبير تحمي أيضاً الآراء الخاطئة أو الصادمة، لكنها لا تمنح صاحبها حصانة من النقد أو المساءلة عندما يتحول الكلام إلى تحريض مباشر على التمييز أو الكراهية.
المعيار المطلوب ليس حماية كل خطاب من أي تبعة، بل التمييز الدقيق بين التحريض الفعلي، الذي يمكن للدولة التدخل لمنعه، وبين الرأي أو التحليل أو التأويل الذي يجب مواجهته داخل المجال العام.
نمط يوسع دائرة الرقابة الذاتية
لا تقف المسألة عند هاتين القضيتين. ففي أبريل 2026، صدر حكم ابتدائي بالسجن سنة واحدة بحق الأستاذ الجامعي عبد الرحيم قرنة بسبب منشورات على فيسبوك، وفق تقارير حقوقية. كما وثقت منظمات محلية ودولية ملاحقات أخرى طالت صحفيين ومحامين وناشطين ومستخدمين لمواقع التواصل بسبب محتوى سياسي أو اجتماعي.
يشكل تراكم هذه القضايا مناخاً يدفع الباحث والصحفي والمواطن إلى التساؤل قبل الكلام: هل يمكن أن يُفهم هذا التحليل باعتباره خبراً كاذباً؟ وهل يمكن اعتبار نقد مشروع حكومي مساساً بالمصلحة الوطنية؟ وهل تتحول مناقشة قرار اقتصادي إلى تهديد للنظام العام؟
هنا يظهر أثر لا تقيسه أحكام المحاكم وحدها: الرقابة الذاتية. فقد يمتنع الخبير عن تقديم رأيه، ويختار الباحث موضوعاً أقل حساسية، ويتجنب الصحفي طرح السؤال الذي قد يثير مشكلة. وبمرور الوقت، يصبح الخطاب العام أكثر تجانساً، لكنه أقل صدقاً وفائدة لصانع القرار والمجتمع.
ما الذي يخسره الاقتصاد؟
لا يمكن فصل حرية التعبير الأكاديمية عن مناخ الاستثمار. المستثمر يحتاج إلى أرقام يمكن الوثوق بها، ومؤسسات تسمح بتداول المعلومات، وخبراء قادرين على التحذير من المخاطر قبل تحولها إلى خسائر.
إذا كان التشكيك في فرضيات مشروع اقتصادي قد يقود إلى المتابعة الجنائية، فإن دراسات الجدوى نفسها قد تتحول إلى إجراءات شكلية تؤكد القرار المتخذ مسبقاً. وقد يخشى الموظف أو المستشار تقديم تقدير مخالف، حتى عندما يرى خللاً في التكاليف أو التمويل أو الجدول الزمني.
الاقتصادات الحديثة لا تتطور بإخفاء الشكوك، بل بإخضاع المشاريع الكبرى لتقييم مستقل وشفاف. والنقد المبكر، مهما كان مزعجاً، أقل كلفة من اكتشاف الأخطاء بعد إنفاق مليارات الدنانير.
حرية أكاديمية لا تعني حصانة مطلقة
حماية الحرية الأكاديمية لا تعني أن كل ما يقوله أستاذ أو خبير صحيح، ولا تمنع مؤسسات الدولة أو المختصين الآخرين من تفنيد كلامه. ويمكن طلب التصحيح أو ممارسة حق الرد، كما يمكن اللجوء إلى القضاء في حالات التشهير الشخصي أو التحريض المباشر أو نشر معلومات مزورة عمداً وأدت إلى ضرر ملموس.
لكن السجن يجب أن يبقى آخر الوسائل، وأن يُحصر في حالات محددة بدقة، لا أن يصبح جواباً على خلاف مهني حول الربحية أو التكاليف أو التاريخ أو الهوية.
يكفل الدستور الجزائري حرمة حرية الرأي، ويضمن حرية التعبير والصحافة. غير أن قيمة هذه الضمانات لا تُقاس بوجودها في النصوص فقط، بل بقدرة المواطن على ممارستها عندما يكون رأيه مخالفاً أو مزعجاً للسلطة.
الرد الأقوى هو نشر الحقائق
إذا كانت تقديرات جلول سلامة خاطئة، تستطيع الجهات المسؤولة الرد بنشر المعطيات: نسبة المواد التي تحتاج إلى معالجة، والكلفة الإجمالية للمنشآت والسكك الحديدية، والطاقة الإنتاجية المتوقعة، والأسواق المستهدفة، والمدة اللازمة لاسترداد الاستثمار.
مثل هذا الرد سيخدم مشروع غار جبيلات أكثر من أي حكم بالسجن، لأنه يبني الثقة على المعلومات ويتيح للمواطنين والخبراء الحكم بأنفسهم.
أما إبقاء الأرقام الأساسية خارج النقاش وتحويل التحفظات الاقتصادية إلى قضية جنائية، فيرسل رسالة معاكسة: المطلوب ليس فقط دعم المشروع، بل الامتناع عن مساءلة افتراضاته.
قضية جلول سلامة ليست اختباراً لموقف المجتمع من مشروع غار جبيلات وحده. إنها اختبار لقدرة الجزائر على قبول النقاش المهني حول القرارات التي تحدد مستقبلها الاقتصادي.
الدولة الواثقة من مشاريعها لا تخشى الخبير الذي يطرح سؤالاً صعباً. إنها تجيبه بالأرقام، وتفتح دراساتها للتقييم، وتترك للحجة الأقوى أن تقنع الرأي العام.

نقاش القراء
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة حتى الآن.